الشيخ الطبرسي
488
تفسير مجمع البيان
كثيف أو لطيف . ( ولم يولد ) أي ولم يتولد من شئ ، ولم يخرج من شئ ، كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها ، كالشئ من الشئ ، والدابة من الدابة ، والنبات من الأرض ، والماء من الينابيع ، والثمار من الأشجار . ولا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين ، والسمع من الأذن ، والشم من الأنف ، والذوق من الفم ، والكلام من اللسان ، والمعرفة والتمييز من القلب ، والنار من الحجر . لا بل هو الله الصمد الذي لا من شئ ، ولا في شئ ، ولا على شئ ، مبدع الأشياء وخالقها ، ومنشئ الأشياء بقدرته ، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته ، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه ، فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ، ولم يولد ، عالم الغيب والشهادة ، الكبير المتعال . ( ولم يكن له كفوا أحد ) قال وهب بن وهب : سمعت الصادق ( ع ) يقول : قدم وفد من فلسطين على الباقر ( ع ) فسألوه عن مسائل ، فأجابهم عنها ، ثم سألوه عن الصمد فقال : تفسيره فيه الصمد خمسة أحرف ( فالألف ) : دليل على أنيته ، وهو قوله عز وجل ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) وذلك تنبيه وإشارة إلى الغائب عن درك الحواس ( واللام ) : دليل على إلهيته ، بأنه هو الله . والألف واللام مدغمان لا يظهران على اللسان ، ولا يقعان في السمع ، ويظهران في الكتابة ، دليلان على أن إلهيته بلطفه خافية ، لا يدرك بالحواس ، ولا يقع في لسان واصف ، ولا أذن سامع ، لأن تفسير الإله هو الله الذي أله الخلق عن درك ماهيته وكيفيته ، بحس أو بوهم ، لا بل هو مبدع الأوهام ، وخالق الحواس ، وإنما يظهر ذلك عند الكتابة ، فهو دليل على أن الله سبحانه أظهر ربوبيته في إبداع الخلق ، وتركيب أرواحهم اللطيفة في أجسادهم الكثيفة . وإذا نظر عبد إلى نفسه لم ير روحه ، كما أن لام الصمد لا يتبين ، ولا يدخل في حاسة من حواسه الخمس . فلما نظر إلى الكتابة ، ظهر له ما خفي ولطف . فمتى تفكر العبد في ماهية الباري وكيفيته ، أله وتحير ، ولم تحط فكرته بشئ يتصور له ، لأنه تعالى خالق الصور . وإذا نظر إلى خلقه ، ثبت له أنه ، عز وجل ، خالقهم ، ومركب أرواحهم في أجسادهم . وأما ( الصاد ) فدليل على أنه سبحانه صادق وقوله صدق ، وكلامه صدق ، ودعا عباده إلى اتباع الصدق بالصدق ، ووعدنا بالصدق ، وأراد الصدق . وأما ( الميم )